قدّر خبير اقتصادي عوائد التوفير المالي لوزارة التعليم نتيجة اعتمادها على التعليم عن بُعد المطبَّق حاليًا بسبب جائحة كورونا "كوفيد 19"، من خلال ما يسهم به التعليم عن بُعد بالاستغناء عن المدارس المستأجرة، بنحو أكثر من نصف مليار ريال سنويًّا.
وفي التفاصيل، أكد الدكتور هاشم بن عبدالله النمر، الخبير والمحلل الاقتصادي، لـ"سبق" أن التعليم عن بُعد له تأثير كبير، وقد يكون أفضل من التعليم التقليدي؛ إذ إن الطلاب يتلقون دروسهم في بيئة مريحة وسط محبيهم في المنزل بعيدًا عن الخوف من العقاب في حال عدم الإتيان بالمتطلبات والواجبات المدرسية، وأيضًا لزيادة التركيز لغياب عوامل التشتيت بسبب التكدس في القاعات الدراسية.
وأضاف: ظهرت الحاجة الماسة للتعليم عن بُعد جليًّا تزامنًا مع جائحة كورونا التي أجبرت العالم على أن يكون في معزل عن بعضه، وأصبح الإنترنت الوسيلة الوحيدة للتواصل واستخدام التكنولوجيا والتقنية. ولم يعد التعلم عن بُعد يقتصر على فئات بعينها، بل أصبح الجميع في منظومة التعليم يستخدمون التطبيقات الذكية؛ ليتحول قطاع التعليم إلى تكنولوجيا إجبارية لكل سكان العالم.
وتابع: أصبح قادة التعليم أمام خيار إلزامي لتبني أحدث التقنيات للتعليم عن بُعد. وقد أثبت التعليم في مملكتنا الحبيبة تقدُّمًا ملحوظًا في التعليم عن بُعد، ولاسيما أن نظام التعليم عن بُعد ليس بالحديث؛ إذ استخدمت الجامعات نظام نقل المحاضرات عبر الشبكة بين قسم الطلاب والطالبات منذ زمن بعيد.. ولكن قد يكون الوضع مختلفًا الآن؛ إذ ينبغي وجود شبكة اتصال عالية السرعة؛ لتتوافق مع أعداد الطلاب الهائلة المقدرة بنحو 7 ملايين طالب وطالبة في مختلف المراحل الدراسية، يدخلون على النظام في التوقيت نفسه تقريبًا؛ ما قد يشكل عائقًا يؤدي إلى ضعف نظام التعليم عن بُعد بسبب الضغط الكبير على شبكة الاتصال والإنترنت؛ ما قد يُضعف الطاقة الاستيعابية لتزويد الخدمة. أيضًا قد يكون عدم جاهزية بعض الأسر في توفير الأجهزة الحاسوبية لأبنائهم نتيجة لتعدد الأبناء أحد العوائق لاستخدام التعليم عن بُعد.
وأردف "النمر": في ظل الجائحة تعاملت وزارة التعليم، وكان لها دور كبير في حل مثل هذه المشكلات، وذلك بالاستعانة بالدروس المنقولة والمسجَّلة عبر قناة "عين" التلفزيونية وقناة اليوتيوب لوزارة التعليم؛ إذ يمكن للطالب الدخول على القناة في أي وقت ومتى شاء. وحديثًا قامت الوزارة باستخدام تطبيق سهل التحميل في معظم الأجهزة الذكية، هو "منصة مدرستي"؛ إذ سهل للطلاب الوجود مع معلميهم وأقرانهم من الطلاب في الوقت المعتاد لحضور الحصص الدراسية في جو مفعم بالنشاط والحيوية.
وأكمل: بات من الواضح أن نظام التعليم سيختلف اختلافًا كليًّا بعد جائحة كورونا؛ إذ إن التعليم عن بُعد سيكون جزءًا رئيسًا من منظومة تعليم متطورة، تذلل الفروق الفردية بين الطلاب، وتشجع التنويع في خلق استراتيجيات جديدة للتعليم، تساعد على تنمية مهارات التفكير لدى الطلاب، ولاسيما أن الجيل الحالي من محبي التقنية، ويستخدمها في حياته بشكل يومي ومستمر، وستكون هناك فرصة كبيرة لتطوير عمليات الاختبارات، وإدراج وسائل مختلفة لتقويم الطلاب.
أما من الناحية الاقتصادية فنجد أن استخدام التعليم عن بُعد سوف يوفر ملايين بل مليارات الريالات. فعلى سبيل المثال، لو تم إلغاء المدارس المستأجرة من قِبل وزارة التعليم، وتم نقل طلاب هذه المدارس إلى نظام التعليم عن بُعد بدلاً من تكدسهم في فصول صغيرة، لا تكفي للعدد المتزايد من الطلاب والطالبات الراغبين في التعليم، وبدلاً من إجبار الطلاب على الحضور المسائي الذي يقل فيه تركيز الطالب، فضلاً عن العوائق التي قد تواجه الطلاب عند الحضور في هذه الأوقات.. سنجد أن وزارة التعليم ستوفر ما مقداره 640 مليون ريال سنويًّا نتيجة الاستغناء عن المدارس المستأجرة. فلو افترضنا أن مجموع المدارس المستأجرة تقدر بنحو 5000 مدرسة، وذلك بناء على إحصائية وزارة التعليم في عام 2018؛ إذ وصل عدد المدارس المستأجرة في ذلك الوقت إلى 5150 مدرسة، وأن متوسط إيجار المدرسة الواحدة 100 ألف ريال بناء على تصريح وزارة التعليم في عام 2016، بأن سعر إيجار المباني المستأجرة المستخدمة مدارس يجب أن لا تزيد على 100 ألف ريال، فسيكون مجموع الإيجار السنوي للمدارس نحو 500 مليون ريال، بينما يقدر متوسط أسعار استهلاك الكهرباء والماء والهاتف بنحو 1500 للمدرسة شهريًّا، أي ما يعادل 90 مليون ريال سنويًّا لكامل المدارس المستأجرة، إضافة إلى أن مصاريف الصيانة والوسائل التعليمية من الممكن أن تقدر بنسبة تقريبية نحو 50 مليونًا سنويًّا، فسيكون مجموع المبالغ المتوفرة نحو 640 مليون ريال سنويًّا نتيجة الاستغناء عن المدارس المستأجرة واستبدالها بنظام التعليم عن بُعد.
واستطرد: أضف إلى ذلك أن نظام التعليم عن بُعد سيكون من أهم الأسباب التي تساعد على تحقيق أهداف رؤية السعودية 2030، وذلك بتقليص أعداد المعلمين بالنسبة لأعداد الطلاب؛ إذ إن الهدف المنشود هو وصول النسبة إلى 17 طالبًا لكل معلم واحد بدلاً من النسبة الحالية التي تقدر بنحو 9 طلاب لكل معلم واحد؛ لذا فإنه يقترح أن يتم تطبيق نظام التعليم عن بعد في المدارس المستأجرة بدءًا من المراحل المتقدمة، أي من المرحلة الثانوية ثم المتوسطة، ومن ثم الابتدائية.
وأوضح أنه بمعنى آخر، باستطاعتنا أن نقول إن مستقبل التعليم سيعتمد بصفة رئيسية على التعليم عن بُعد بديلاً أساسيًّا للتعليم التقليدي تدريجيًّا، ولبعض فئات التعليم، كالتعليم الذي يعتمد على العلوم النظرية بصفة عامة، ولاسيما لوجود هذه المزايا الكثيرة. لكن قد يكون من الضروري استشارة الأطباء النفسيين عن الحالة النفسية للطلاب، ومدى ارتياحهم لنظام التعليم عن بعد؛ فالنظرة الاقتصادية يجب أن تسير جنبًا إلى جنب مع الجانب المعنوي والنفسي.
No comments :
اضافة تعليق